الفاحص الموضوعيّ المتتبّع والخبير بالتّراث الاثني عشريّ لا يحتاج إلى عناية لاكتشاف الاختلافات العميقة بين شيعة الكوفة أنفسهم فضلاً عن غيرهم في تحديد قبر الإمام عليّ بن أبي طالب منذ رحيله وحتّى أوائل القرن الثّالث الهجري وبُعيده أيضاً، ولم تنجع تحديدات الإمام الصّادق المباشرة وغير المباشرة والّتي نقلها الحملدار صفوان الجمّال في زعزعة قناعاتهم السّابقة وتبديد اختلافاتهم الشّديدة واختيار المكان الّذي أرشد إليه، بل يعترف الإمام الكاظم نفسه بأنّ رأي صفوان الجمّال الّذي حكاه عن والده جعفر الصّادق والّذي يقرّر دفن عليّ في الغريّ لا يوجد في زمانه من يؤمن به أصلاً من أصحابه وأصحاب أبيه سوى الحسن بن الجهم.

#وفي ضوء هذه الحقيقة تعرف: أنّ المشكلة العميقة الّتي تقف أمام التّحديد الجزمي لقبر الإمام عليّ هي عدم وجود مرجعيّة صالحة لتقرير موقعه وتحديده، ولم يكن الفقهاء من أصحاب الإمام الصّادق يؤمنون بمرجعيّته الحصريّة في هذا الأمر؛ وذلك لأنّ تحديد مكان القبر ليس مسألة دينيّة ما ورائيّة لكي يجب عليهم الذّهاب إلى مرجعيّتها الفقهيّة المقرّرة والالتزام بكلامها، وإنّما هي من الموضوعات الخارجيّة الّتي يكون الإمام الصّادق فيها وهم على حدّ سواء.

#كما لم يثبت لديهم بدليل معتبر أنّ للإمام الصّادق طريقاً متّصلاً بمن دفن الإمام عليّاً بحيث توجب تحديداته نهاية حاسمة لاختلافاتهم في هذا الشّأن؛ لأنّهم يعرفون تماماً أنّ الإمام الصّادق لا يعرف شيئاً عن أزقّة الكوفة ومواطنها بمقدار معرفتهم كأهلها فيها، وإنّما وفد مرّة أو مرّتين عابرتين إليها بعد أن استدعته السّلطات هناك، بل حمل بعض الموروث الرّوائي تحديدات اجتهاديّة واضحة من الصّادق وليست إخبارات، ولهذا اختفت أسئلة معظم فقهاء ومتكلّمي الطّبقة الأولى من أصحاب الأئمّة المؤسّسين حول هذا الموضوع.

#وقد بقيت الاختلافات على ما هي عليه بعد رحيله في سنة: "١٤٨هـ"، واستمرّت حتّى أيّام الإمام الكاظم والرّضا وبُعيدهما أيضاً، ولم يؤمن خلّص أصحابهم الكوفيّين بمكان قبر عليّ الحالي الّذي نقله الحملدار صفوان وربّما غيره لهم، لكنّ عوامل مذهبيّة وسياسيّة ادّت إلى انقراض تلك الأقوال، وعليه: يصعب جدّاً الالتزام بوجود دليل يؤكّد مكان قبر عليّ أصلاً، وكيف يكون ذلك وشيعة الكوفة المعاصرون للإمام لصّادق والمخلصون له لم يؤمنوا بإرشاداته وتحديداته، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.