أوضحنا فيما تقدّم من بحوث تحفّظاتنا البالغة على ما يُشيعه جهلة القوم من قيادة الشّهيد محمّد الصّدر للانتفاضة الشّعبانيّة في آذار 1991م، وأعني من القيادة مفهومها السّياسي بل وحتّى العرفي، ودلّلنا على هذا التّحفّظ، مضافاً إلى أنّ أصل الانتفاضة كان غلياناً شعبيّاً دون قيادة، بعدم معقوليّة أن يجلس سماحته مع عزّة الدّوري قبل ما يقرب من شهر من الانتفاضة، ويُبعث رئيساً في مهمّة من قبل القيادة إلى طهران في سفرة العمر الّتي لم يرَ مثلها في الرّاحة والدّعة وتمنّي المكث أكثر وأكثر، ويعود ويرى عائلته وأهل بيته معزّزين مكرّمين من القيادة في تلك الظّروف الصّعبة وانقطاع الكهرباء إثر قصف قوى التّحالف، وبعد أيّام يخرج سماحته ليقود انتفاضة ضدّ بغداد من أجل إسقاط حكومتها؛ لا شكّ في أنّ أصل تعقّل هذا المطلب محلّ إشكال شديد!!

وتزداد هذه التّحفّظات وضوحاً حينما نعرف أنّ سماحته كان قد صرّح لتلاميذه المقرّبين بأنّهم ما أطلقوا سراحه من بغداد بعد الاحتجاز أو الاستدعاء الّذي حصل إثر إطفاء جذوة الانتفاضة، إلّا بعد أن تمّ الاتّفاق معه على مشروع تعريب المرجعيّة، وقد وثّقنا جميع هذه التّفاصيل بالصّوت والصّورة فيما مضى، فلا نعيد.

وهذا يعني أنّ إطلاق سراحه لم يكن ليتمّ لولا تأكّد القصر الرّئاسي، عن طريق قنواته الخاصّة، لا عن طريق أجهزة الأمن والاستخبارات بالضّرورة، من أنّ ضلوعه البسيط في الانتفاضة لم يكن جديّاً أصلاً، وربّما كان دوراً متّفقاً عليه سلفاً؛ لا سيّما إذا عرفنا أنّ نظام صدّام لم يرحم من تأكّدت مشاركته الجديّة في الانتفاضة أصلاً، وإنّما أطلق سراح من لم يثبت عليه ذلك، أو من كان مجنّداً لديه أو جزءاً من مشروعه.

وممّا يعزّز عندنا احتمال غياب أصل هذا التّنسيق والتّخادم بين القصر الرّئاسي في بغداد والشّهيد محمّد الصّدر حتّى عن مدير جهاز المخابرات في آب 1992م، أنّ الوثائق الّتي بين أيدينا تكشف بوضوح تحفّظه ـ أعني مدير جهاز المخابرات ـ على ترشيح الصّدر للمرجعيّة العامّة؛ إذ نصّ قائلاً [مضافاً إلى ضعف مستواه ومنجزه المعرفي ومقبوليّته الحوزويّة مقارنة بالسيّد السّيستاني والّتي سنأتي إلى شرحها لاحقاً]: "إنّ مواقف وآراء المرشّح محمّد صادق الصدر، وطروحاته، وضلوعه في صفحة الخيانة والغدر، تجعلنا في أحسن الأحوال، ننظر له نظرة ارتياب وعدم ارتياح، إلّا إذا نما إلى علمكم [وهو يُخاطب القيادة الّتي أمرته بدعم مرجعيّته] تحوّل ملحوظ لديه يجعلنا نراهن على دعم ترشيحه!!"

وهذا يكشف لنا بوضوح أنّ مدير جهاز المخابرات لم يكن مطمئنّاً إلى الصّدر في ذلك الوقت، بل كان ينظر إليه "نظرة ارتياب وعدم ارتياح"، ويجعل الرّهان على دعم ترشيحه متوقّفاً على أن ينمو إلى علم الجهة المخاطبة "تحوّل ملحوظ لديه". وهذه النّقطة بالذّات تطرح سؤالاً أكبر عن الجهة الّتي كانت تمتلك من المعلومات عن الصّدر ومواقفه ما لم يكن متوافراً لدى مدير جهاز المخابرات نفسه، وعن السّبب الّذي جعل مشروع دعمه للمرجعيّة يمضي بعد ذلك رغم هذا التّحفّظ؟!

أجل؛ كان ترشيح الشّهيد محمّد الصّدر للمرجعيّة قرار القصر الرّئاسي نفسه، وبحسب قراءتنا لمجموع الوقائع والوثائق الّتي عرضناها، فإنّ ذلك يعزّز احتمال أن يكون حجم التّنسيق ما بين القصر الرّئاسي والصّدر أوسع ممّا كان معلوماً لدى مدير جهاز المخابرات آنذاك، وأنّ ما حصل بعد الانتفاضة وإطلاق سراحه يحتاج إلى أن يُقرأ ضمن هذا السّياق، لا من خلال الرّواية الشّائعة الّتي تُحاول أن تجعله قائداً سياسيّاً لانتفاضة أقضّت مضاجع النّظام آنذاك، ثمّ بقدرة قادر وبعناية إلهيّة يصبح هذا القائد جزءاً من مشروع النّظام لإحكام قبضته؛ إذ لا تتناسب النّتائج مع المقدّمات، فتفطّن وافهم.

كانت هذه السّطور ضروريّة قبل البدء باستعراض مضامين الوثائق القادمة؛ إذ ربّما يعترض معترض على ما كتبناه فيما سبق من شكوك في حكاية قيادة الشّهيد للانتفاضة. وقد أوضحنا أنّ القيادة بالمعنى المعروف للكلمة شيء، وأصل مشاركته وضلوعه فيها شيء آخر؛ أمّا تفسير طبيعة هذا الضّلوع وحدوده، وما أعقبه من إطلاق سراحه ثمّ دخوله في مشروع المرجعيّة الّذي تكشف الوثائق الّلاحقة عن دعم السّلطة له، فهو ما ينبغي أن يُقرأ من خلال مجموع الوثائق والوقائع وفي سياق التّخادم الّذي ذكرناه، فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.