اعلم: أنّ غالبيّة الجيل الّذي استقطبه الشّهيد محمّد الصّدر للإيمان بمرجعيّته وطروحاته وهتافاته واندفاعاته المتأخّرة هو جيل نهاية السّبعينيّات وبداية الثّمانينيّات؛ ولم تكن أعمار أبناء هذا الجيل قد وصلت حين استقطابه لهم إلى حدّ يستطيعون معه أن يعايشوا عن قرب الّلحظة الّتي انبثقت بها شرارة مرجعيّته أصلاً، أو يطّلعوا على الخطوات الّتي اتّخذها بالتّنسيق مع الحكومة آنذاك، وكيف حارب منافسيه من المراجع وسحقهم وشيطنهم مع جميع من يلوذ بهم ويدعو لهم. وحتّى النّوادر من أبناء المواليد الأعلى الّذين تأثّروا به إنّما التحقوا بالتديّن أو الحوزة متأخّراً، لا سيّما وبعضهم طلباً للزّاد والرّاحلة إلى يومنا هذا.
وما عايشه أبناء هذه المواليد ـ أعني نهاية السّبعينيّات وأوائل الثّمانينيّات ـ من الصّدر هو صلاة الجمعة وهتافاتها وحماسها، وصلاتهم فيها إمّا بإمامة وكلائه الشّباب أيضاً، أو بالمجيء إلى الكوفة والائتمام به. وهذا الأمر وقع في السّنة الأخيرة من حياته تقريباً، أمّا السّنوات السّبعة الماضية والّتي كان منطق الصّدر فيها: "المشابچ يرادله مشابچ"، فلم يكونوا على اطّلاع عليها أصلاً، ولم يُدركوها أو يعايشوها« أو حتّى يطّلعوا عليها من خلال من عايشها أو وثّقها وكتب فيها، وكان الصّدر غارقاً في تسقيط منافسيه وتفسيق وكلائهم، والسّعي الحثيث لمضايقتهم وإذلالهم وإركاعهم، وقد كشفنا عن وثائق ذلك بالصّوت والصّورة أيضاً.
كما أنّ هؤلاء الشّباب والمراهقين المتأثّرين به كانوا يعانون من وضع ماليّ تعيس في ظلّ الحصار المدمّر الّذي عانى العراق منه بسبب حماقات قيادته آنذاك، وكان الحسّ الدّينيّ لديهم عالياً جدّاً، فلجؤوا إلى الصّدر الّذي كان تأييد الحضور في مدارسه الّتي اغتصبها وفرض سيطرته عليها يؤجّل الطّالب من التّجنيد الإلزامي، أو يدفع لهم البدل إذا كانوا من بطانته ومخلصيه أيضاً. كما لحظوا التّسهيلات الكثيرة في الفتاوى لجذبهم، سواء في نكح القاصرات الأبكار دون علم أهلهنّ ودون دخول، أو في الغشّ والكلاوات في الامتحانات، أو حتّى الاستيلاء على مجهول المالك مع دفع الخمس... إلخ، من فتاوى وتسهيلات كثيرة تقدّم الحديث فيها مفصّلاً.
وبالتّالي: فهؤلاء الشّباب والمراهقون لم يروا أيّ مرجعيّة أخرى إلّا من خلال النّظارة الصّدريّة الّتي شيطنت جميع من لا يتّفق معها، وحيّدت من قدّم الولاء والطّاعة لها، وأحكمت القبضة عليهم بالحديد والنّار، حتّى قتل محبّوه الشّيخين البروجردي والغروي اغتراراً بدعاوى الصّدر القاضية بضرورة تمهيد الطّريق أمام مهدويّته ومرجعيّته، وحاولوا جاهدين اغتيال السيّد السّيستاني فلم يوفّقوا، ولهذا عُطّلت الدّروس، وصار الجميع أحلاس بيوتهم، وهذا ما يصبّ في صالح الصّدر ليستمرّ في تحدّيه القائل: هل من مبارز؟!
أمّا المتأثّرون به من موديلات أواخر الثّمانينيّات أو التّسعينيّات والألفينيّات، على اختلاف مستوياتهم "گير عادي، طرح تعليگ، أوتماتيك"، فهم من أوضح مصاديق "على صوت الطّبل خفّن يرجليه"، و"أنه المحد عبر فوگي"؛ إذ لم يروا الصّدر أو يقرأوا له بعين الفاحص الخبير، وإنّما وُلدوا فوجدوا المدّ الصّدري قائماً، وشيطنة الاتّجاهات الأخرى أساساً، فصاروا صدريّين أكثر من الصّدر نفسه، لا سيّما وبعضهم ربّما يُقلّد الصّدر ابتداءً، مخترعاً من عنديّاته ما يخالف فتاوى الصّدر أيضاً.
كتبت هذه السّطور الّلازمة لكي أضع حدّاً لهذا التّهريج الّذي نقرأه من هنا أو هناك في مناقشة ما أذكره من وثائق تخرس الألسن، وبعضها بالصّوت والصّورة للصّدر نفسه، حينما يعترف بتماهيه مع السّلطة وانضمامه إليها من أجل صناعة مرجعيّة عربيّة. فهذا التّهريج لا ينبغي إيلاء عناية له، ومعرفة أنّ أصحابه مهما وضعوا من ألقاب علميّة أمام أسمائهم فهم ليسوا بالعير ولا بالنّفير، وعموم مشاركاتهم هي من مصاديق: اشهدوا لي عند الأمير، فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

الشّهيد محمّد الصّدر
غالبيّة من جذبهم الشّهيد محمّد الصّدر إليه هم الشّباب والمراهقون في آخر سني أو شهور حياته!!
بلغتَ حدّ القراءة المجّانية
يمكنك قراءة 2 مقالات مجّانًا. اشترك لقراءةٍ غير محدودة، إضافةً إلى مساعد «اسأل ميثاق العسر» الذكي — ابتداءً من $3 شهريًا.
التعليقات (0)
💬 التعليق متاحٌ للمشتركين فقط. سجّل دخولك ثم اشترك لتشارك في النقاش.
اشترك للتعليقمقالات ذات صلة

الشّهيد محمّد الصّدر
من تحفّظات جهاز المخابرات العراقي على ترشيح الشّهيد محمّد الصّدر للمرجعيّة!!
اقرأ المقال۞
الشّهيد محمّد الصّدر
كان جهاز المخابرات متحفّظاً على ترشيح الصّدر للمرجعيّة، لكنّ لصدّام رأياً آخر!!
اقرأ المقال
الشّهيد محمّد الصّدر
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.