لا يخفى عليك ـ وأنت تهتمّ بفهم المنهج الّذي نسير عليه في قراءة أحداث كربلاء، وقبليّاتها وبعديّاتها ـ أنّ أيّ خبر يُخالف الوضع الطّبيعيّ، والسّياق البشريّ المتسلسل لحركة الإمام الحسين، فالأصل فيه الكذب وعدم الثّبوت، ما لم يُدعَّم بدليل يتناسب مع حجمه، ويتسانخ مع جوهره وحجمه ومدياته، ويصلح لرفع اليد عن ذلك الأصل.
وعلى هذا الأساس: نُسقط الرّوايات الواردة عن الإماميْن الباقر والصّادق في تفسير حركة الإمام الحسين والمتنافية مع ذلك الأصل الطّبيعي والسّياق البشريّ المتسلسل، ونعدّها اجتهادات بشريّة وُلدت لاحقاً لتحقيق أهداف مذهبيّة معيّنة، ناهيك عن أخبار الثّواب المفتوح على زيارته، والبكاء والتّباكي عليه، ممّا طفحت به نصوصهما.
ولا نحتاج إلى إقامة دليل لاختيار هذا الأصل؛ لأنّه منسجم مع الطّبيعة البشريّة وقوانينها، والّذي يدّعي خروج الإمام الحسين عن هذه الطّبيعة، وأنّه كان يعلم بجميع تفاصيل مقتله، وأنّ جميع حركاته ومفاوضاته وتراجعاته كانت تمثيلاً وجزءاً من مشروع إلهيّ مرسوم سلفاً، هو المطالب بإقامة الدّليل المتناسب مع هذه الدّعوى الاستثنائيّة، لا أن يطالبنا نحن بإثبات الأصل، ولكن عليه ألّا يجعل نصوص هؤلاء الأئمّة أنفسهم كدليل على هذه الدّعوى؛ فهو دور واضح.
نعم؛ من يرى أنّ مجرّد ادّعاء شخص للإمامة الإلهيّة يكفي لإثبات اتّصاله بموجود هو خالق المجرّات والأفلاك، ولا يحتاج إلى دليل بحجم هذه الدّعوى، فمن حقّه أن يُسلّم بجميع الأخبار المنافية للطّبيعة البشريّة. أمّا نحن فلا نرى ذلك، ونطالب بالدّليل المتناسب والمتسانخ قبل رفع اليد عن هذا الأصل، فتفطّن لهذا الأصل السّيّال جيّداً؛ فإنّه بابٌ ينفتح لك منه ألف باب، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.