خلافاً لما يتصوّره السُذّج والبسطاء قديماً وحديثاً، فإنّ أجهزة الأمن والمخابرات العراقيّة في أيّام نظام صدّام كان مطلّعة بشكل تفصيلي على واقع الحوزة، وعلى كيفيّة صناعة المرجعيّات فيها، بل وحظوظ المرشّحين وتفاصيلهم أيضاً، ولهذا كانت تقدّم التّوصيات والتّحفّظات، وتضع الخطط وفقاً للقرارات.

وفي سبيل إثبات مثل هذا المدّعى سننقل نصّ وثيقة قدّمها مدير جهاز المخابرات العراقي في التّاسع عشر من شهر آب 1992 أي بعد وفاة السيّد الخوئي بعشرة أيّام؛ إثر اتّصال قام به روكان رزوقي مجيد حاملاً توجيهات الرّئيس العراقي آنذاك صدّام حسين في دعم ترشيح الشّهيد محمّد الصّدر من أجل استلام منصب المرجعيّة العامّة، في سياق مشروع تعريب المرجعيّة الّذي اتّفق الأخير معهم عليه. ونصّ الوثيقة ـ والّتي يبدو أنّ مدير المخابرات كتبها أو كُتبت له بقلم شخص خبير جدّاً بالعمق الحووزويّ ـ بالنّحو التّالي: جمهورية العراق/ رئاسة الجمهورية/جهاز المخابرات/ سرّي للغاية وشخصي/ العدد / 110/ 2 / 375/ التاريخ / ٢٠ / صفر / ١٤١٣ هـ/ ١٩ / ٨ / ١٩٩٢ م.

الأخ الرّائد روكان رزوقي تحية وتقديراً..

إشارةً إلى المكالمة الهاتفيّة معكم بصدد الحوزة العلميّة، استدعينا مدير مخابرات المنطقة الغربيّة، وتمّ إبلاغه ذلك بالتّوجيه، والعمل بموجبه، ووجدنا من المناسب إحاطتكم علماً بالملاحظات التالية:

أوّلاً] ١. حسب تقديرنا بأن نجاح عملية حشد الدّعم والتّأييد للمرشّح محمّد صادق الصّدر، يتطلب الإعلان والتّأييد لترشيحه من خارج القطر، (من المناطق الّتي تقطنها الطّائفة الشّيعية، الهند، الباكستان، لبنان، دول الخليج، خصوصاً المنطقة الشرقيّة في السعودية... الخ).

ثانياً] ٢. هناك تيار فقهي بدأ يسري حالياً في أوساط الحوزة مفاده (وجوب تقليد الميت "الخوئي" إلى أجل مسمى)، وهذا يعني أنّ أوساط الحوزة ليست في عجلة من أمرها لترشيح الشّخص الأوّل (المرجع الأعلى).

ثالثاً] ٣. المشرّحين [المرشّحون] في الوقت في الوقت الحاضر هم أربعة، وجميعهم من أصل إيراني؛ حيث رشّحت حوزة قُم رضا كلبايكاني، ومحمّد روحاني، في حين رشّحت حوزة النّجف عبد الأعلى السّبزواري، ومحمّد علي باقر مجتهد سيستاني.

ويبدو أنّ هناك اتجاه من أوساط الحوزة بعدم إناطة أمر الحوزة للسبزواري؛ لعدّة اعتبارات، منها:

إعتلال صحّته، وكبر سنه. إضافة إلى أنّه وجه غير مقبول في التّعامل مع مؤسسات الدّولة العراقيّة؛ لضلوعه في أحداث صفحة الغدر والخيانة [الانتفاضة الشّعبانيّة 1991م].

وأنّ فرصة السيستاني تبدو أرجح الفرص؛ استناداً لذخيرته الدّينيّة، وكونه يمتلك دالّة فقهيّة وشرعيّة لا يمتلكها غيره؛ حيث أقام الصّلاة على جثمان الخوئي، وذلك أمر ذو دلالات عديدة، إضافة إلى إناطة شؤون الحوزة وإدارتها به لحين انقضاء فترة الأربعين، علماً أنّ عائلة الخوئي تدعم ترشيحه، وبدأت حملة للتّرويج لمؤلّفاته وكتاباته.

رابعاً] ٤. يطرح حالياً في أوساط الحوزة رأي توفيقي يستهدف الحفاظ على وحدتها من التصدّع، مفاده بأنّه بالإمكان اعتماد المرشحين الأربعة في الوقت الحاضر كمراجع تقليد إلى أجل معين يتفق فيه هؤلاء على إناطة الأمر بشخص منهم.

خامساً] ٥. إنّ مواقف وآراء المرشّح محمّد صادق الصدر، وطروحاته، وضلوعه في صفحة الخيانة والغدر، تجعلنا في أحسن الأحوال، ننظر له نظرة ارتياب وعدم ارتياح، إلّا إذا نما إلى علمكم تحوّل ملحوظ لديه يجعلنا نراهن على دعم ترشيحه.

ونودّ الإشارة بأنّه في أوساط الحوزة معادلة لابدّ وأن تؤخذ بنظر الاعتبار، تقضي: بأنّه كلما تقرّبت الدّولة ومؤسّساتها من شخص ما، ابتعدت بذلك القدر الحوزة عنه. لذلك فإنّ أيّة إشارة ولو يسيرة تُشير إلى إسناد ودعم الدّولة لأي مرشح، تعني تضاؤل فرص نجاحه.

كما أنّ أرجحيّة عالم الدّين في الحوزة تأتي من اعتبارات عديدة أهمّها: ملكاته الفقهيّة ومؤلّفاته، وغزارة علمه، مضافاً لإلى نفوذه المالي؛ فبمقدار ما يتملّكه رجل الدّين من أموال يستطيع أن يستقطب الكثير من طلّاب العلوم الدينيّة لحلقاته الدّرسيّة، بما ينمّي قوّة نفوذه وتأثيره في أوساط الحوزة، وما يعزّر ذلك إسراع السّبزواري بصرف رواتب طلبة العلوم الدّينية في أعقاب وفاة الخوئي.

سادساً] ٦. سيجري في الفترة القليلة القادمة تجديد إجازات وكلاء الخوئي (المخولين باستلام الحقوق الشرعيّة) ولفترة محدودة، وإبطال الوكالات السابقة الصّادرة عن الخوئي كونها عُدت منتهية.

للتفضل بالاطلاع... مع التقدير... مدير جهاز المخابرات/ ١٩ / ٨ / ١٩٩٢. سري للغاية وشخصي. [انتهى ما في الوثيقة].

أقول: بعد أن اتخمناك بالوثائق الدّالة على الأوامر المباشرة للرّئيس العراقيّ حينها صدّام حسين والقاضية بدعم الشّهيد محمّد الصّدر من أجل صيرورته مرجعاً أعلى للطّائفة بعد وفاة الخوئي، وأنّ الأجهزة بجميع صنوفها من الاستخبارات والأمن والشّرطة كانت تُقدّم الخدمات والخطط في هذا الصّدد، فلا معنى لأن نصغي إلى متنطّع هنا أو جويهل هناك ممّن لم تنبت أسنانه بعدُ ويُريد أن يدفع هذه الحقيقة بالخريط التّلقينيّ المعروف، فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.