نصّ صاحب الموسوعة المهدويّة على أنّ الحشر والحساب في يوم القيامة له أحد أسلوبين محتملين: دفعيّ وتدريجي، والأوّل هو: «أن يُحشر النّاس كلّهم من أوّل البشرية إلى آخرها سوية، ويحاسبون على أعمالهم»؛ والثّاني: أن يُحشر النّاس «جيلاً بعد جيل، أو ديناً بعد دين، أو مجموعة بعدد معين بعد مجموعة وهكذا، وحتّى يتمّ حساب الدّفعة الأولى تحشر الدفعة الثانية وهكذا» (1).
لكنّ صاحب الموسوعة وبعد إقراره بأنّ الأسلوب الدّفعي «هو المركوز في الأذهان عادة»، عاد ليقرّر خلوّ القرآن من الآيات الدّالة عليه (2).
سنتجاوز هذا الموضوع مؤقّتاً ونقفز مع الزّمن لما يقرب من ثلاثين سنة عن لحظة هذا الكلام، أي إلى أُخريات حياة صاحب الموسوعة وإلى دروسه التّفسيريّة الّتي طُبعت في حياته تحت عنوان: "منّة المنّان"؛ إذ طرح تساؤلاً يرتكز على استظهار تناقض ما بين الآية الّتي تقرّر: "يومئذ يصدر النّاس أشتاتاً ليروا أعمالهم"، والآية الّتي تقول: "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً؛ «حيث دلّت إحداهما على التفرّق والأخرى على الجمع»، فبدأ بعد طرح هذا التّساؤل في سرد أكثر من مبرّر وجواب له، وما يهمّنا هو المبرّر الخامس والأخير منها حيث قال: «أن نقول بالحشر التّدريجي، وفكرته: أنّ كلّ جماعة أو كلّ جيل أو كلّ دين يُحشر لوحده ويُحاسب، فيُراد بالتّفرق والأشتات أي في أزمنة متفرّقة».
لكنّه لم يقبل هذا المبرّر وردّه قائلاً: «أنّ هنا وضوحاً في أذهان المتشرّعة بحصول الحشر الدّفعي وأنّ الحشر التّدريجي باطل، وكذلك هو ظاهر قوله تعالى: "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً"» (3).
أقول: إذا كانت آية "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً" تدلّ على الحشر الدّفعي والّذي هو راكز في أذهان المتشرّعة كما يقرّر صاحب منّة المنّان، فكيف جاز لصاحب الموسوعة أن ينفي وجود دلالة قرآنيّة عليه؟! وإن أبيت ذلك وذهبت إلى عدم إيمان صاحب منّة المنّان بمثل هذه الآيات للدّلالة على هذا الأسلوب من الحشر، فما قولك بالآيات الّتي تقرّر: "ربّنا إنّك جامع النّاس ليوم لا ريب فيه"، "فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه"، "ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للّذين أشركوا: أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون"، "يوم يحشرهم جميعاً"، أ لا تحمل ظاهراً واضحاً يقرّر الحشر الدّفعيّ، وعلى هذا فكيف جاز لصاحب الموسوعة أن يقرّر خلوّ القرآن من الدّلالة عليه؟!
وكيف ما كان؛ فلا يهمّنا كثيراً طريقة الحشر في تلك المواقف؛ باعتبارها لا تؤثّر على إيمان الشّخص بأصل ذلك العالم المجهول بشيء، لكنّ ما يهمّنا أنّ الجزم بالنّفي في أمثال هذه المواطن من غير فحص واستقصاء ولو على مستوى ترك الاحتمال المخالف لا يُستحسن بحالٍ من الأحوال، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.