المؤسف أنّ عموم المنابر الحسينيّة المعاصرة ـ وبعرضها العريض دون استثناء لأحدّ على الإطلاق ـ لا تُقدّم صورةً حقيقيّةً عن سيرة الرّسول وأهل بيته ببعدها البشريّ الواقعي، وإنّما تنقل صورةً مثاليّةً ورديّة ولاديّة تشكّلت في أذهان الخطباء والمتلقّين عبر أجيال متعاقبة؛ فالمنبر لا يقرأ التّراث الصّحيح والمعتبر بشموليّة تامّة، بل ينتقي من المصادر المتأخّرة والمعاصرة ما يوافق تصوّره العاطفيّ المسبق عن النبوّة والإمامة والعصمة والطّهارة والكمال، ثمّ يكرّرها في كلّ عام وربّما بتزويق وتلميع جديد.

وهكذا تشكّلت الثقافة الشّيعيّة الشعبيّة على يد المنبر لا على يد التّراث الحديثيّ والعلميّ الّذي دوّنه مؤسّسو المذهب وكبار علمائه. فصار ما يسمعه النّاس من المنابر هو الصّحيح الذي لا يُناقش، وما جاء في المصادر الأصليّة لكبار مؤسّسي المذهب ـ وإن صحّ سنده وثبت متنه ـ يُعتبر كذباً وافتراءً عليهم.

تلك هي المعضلة الحقيقيّة: أن يتحوّل المنبر من وسيلة تذكيرٍ إلى أداة تزويقٍ وترقيع وتقديسٍ تُعطّل العقل وتُشوّه الوعي التاريخيّ... على أنّني لا اعترض على أيّ واحد منهم بخصوص مهنته المنبريّة ما دامت تشكّل مصدراً ماليّاً له، لكنّ ما أتمنّاه عليهم ألّا يخوّنوا الّذي يعتمد في طروحاته على المصادر الصّحيحة والمعتبرة المخالفة لمنهجهم وموادّهم ويشكّكوا في أهدافه ونواياه، فتأمّل مليّاً، والله من وراء القصد.