لك أن تتخيّل مقدار العُقد النّفسيّة المهولة الّتي يبدو أنّ الرّاحل الشّهيد محمّد الصّدر كان يحملها وهو في مهمّته الرّئاسيّة إلى إيران مطلع عام 1991م؛ بحيث ينظم شعراً في ذم ابن عمّ والده السيّد رضا الصّدر [شقيق موسى الصّدر وأمّ جعفر حرم محمّد باقر الصّدر]، لمجرّد أنّه لم ينهض لاستقبالهم في بيته في طهران لمرضٍ ألمّ به، فيقول:
ولم يقم لنا لدى التّحيّةِ معتذراً عن وقفةٍ حفيّةِ
قال لنا بأنّ فيه مرضاً فأذعن الجميع منّا للرّضا
لكنّ الصّدر غفر له بعد ذلك هذه الموبقة، بعد أن أكرمهم الرّجل بما تيسّر في بيته، فقال:
لكنّه أبدى كريم القالة ولم يقصّر نحونا بالحالة
وقدّموا فواكهاً وحلوى وبسكتاً ذي الورق المقوّى
والشّاي والقهوة والدّخان وكنت منه في حمى الأمان!!
يُشار إلى أنّ السيّد رضا الصّدر من مواليد عام 1921م، وكان عمره حين لقائه بالشّهيد محمّد الصّدر في طهران يناهز السّبعين عاماً، وكان قد عاد قريباً من سفرته العلاجيّة الّتي قضاها في لندن عام 1990م، ثمّ توفّي في تشرين الثّاني 1994م.
وفي الحقيقة: إنّ الباحث حينما ينظر إلى ما كان يستوقف الصّدر في هذه السّفرة من تفاصيل وجزئيّات، ويدفعه إلى تدوينها بهذه الطّريقة والبيانات، يتمكّن بكلّ بساطة من تكوين إطار عامّ عن شخصيّة الرّجل، وكيفيّة انعكاس العُقد الّتي فيها على مواقفه وعلاقاته البشريّة، ولا سيّما مع منافسيه وخصومه من الغرباء.
وفي تقديري: أنّ هذه التّفاصيل الصّغيرة أبلغ في قراءة شخصيّة الرّجل وظروفه النّفسيّة والاجتماعيّة حينذاك من عشرات الحكايات الّتي يكتبها عشّاقه ومحبّوه عنه، وهم يتأثّرون بظواهر المواقف واستعطافاتها؛ فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.