من يدّعي الإجبار والإكراه في مهمّة يكلّفه بها القصر الرّئاسيّ في بغداد إلى إيران، يُفترض به أن يبقى طيلة أيّام سفره مهموماً، مغموماً، متألّماً، منزعجاً، وأن تظهر عليه أمارات ذلك بوضوح، ويحاول جهد إمكانه أن يتقيّد بالحدّ الأدنى المُجزي في تنفيذ أوامر هذه المهمّة؛ حفاظاً على حياته وحياة من يلوذ به، وانسجاماً مع ظواهر أدلّة الإكراه والتقيّد بحدودها.
أمّا من يقضيها ونسة وچلو كباب وجوجة، وفي الجناح الرّئاسي من فندق استقلال، ويشتري السّاهون من قم، ويتبضّع الزّرشك والزّعفران من بازار رضا في مشهد، ويطير في الإيرباص ويجلس قرب الكوّة، بل ويتشاجر مع رفيق سفره أحمد الكبيسي الّذي يريد العودة دون تأخير، ويقول له: دعنا نبتهل الفرصة ونذهب إلى أصفهان ونعيش اللّحظة؛ فلا يمكن أن نتعقّل ولا واحداً بالمئة دعوى مجبوريّته، إلّا على طريقة "شعرة من جلد خنزير"، وهذه الطّريقة لا ينبغي أن تصدر من شخص يدّعي العرفان والمرجعيّة!!
بلى؛ إنّ الأرجوزة الّتي كتبها الشّهيد محمّد الصّدر في وصف مهمّته إلى إيران ـ والمنشورة في الكتاب المطبوع تحت عنوان "أشعار الحياة" ـ كافية لوحدها ـ أكرّر: لوحدها ـ في اكتشاف جوانب مهمّة من شخصيّة الرّجل وطبيعته النّفسيّة، والحرمان والعوز اللّذين عاشهما، وكيف مثّلت هذه السّفرة تحوّلاً جوهريّاً قلب موازينه؛ بحيث تحوّل حبّ المرجعيّة الّذي أشرأبّ في قلبه منذ بواكير حياته إلى طموح جامح، خصوصاً مع رؤيته قوّة خصومه وإمكانيّاتهم الضّخمة، فأخذ يملي عليه الجدّ والسّعي الحثيث للإمساك بأيّ حبل يُمدّ له للوصول إليها؛ فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.