استند الشّهيد محمّد الصّدر إلى مجموعة مبرّرات كان يعتقد بكونها واقعيّة وحقيقيّة في امتناعه عن تجديد إقامة الشّيخ بشير النّجفي الباكستاني، وطلبه منه مغادرة العراق؛ ومنها: أنّ الشّيخ بشير كان يمنح الوكلاء في المحافظات الجنوبيّة العراقيّة أموالاً طائلة لقضاء حوائج النّاس في تلك الفترة باستمرار، مع أنّه ـ بحسب ما كلام الصّدر ـ لم يكن يمتلك مقلّداً واحداً، فضلاً عمّا نقله إليه بعض الثّقات ـ حسب وصفه ـ من امتلاكه عقارات، وأراضي، وبساتين، وحقول حيوانات... إلخ، فمن أين جاء بهذه الأموال؟!
ولهذا كان الشّهيد الصّدر يرى أنّ تكليفه الشّرعيّ بينه وبين ربّه يفرض عليه ألّا يمنحه الإقامة، وألّا يوقّع على الورقة الخاصّة بها.
وحينما اتّصل به محافظ النّجف، وأخبره بأنّ الدّولة قد فحصت أمر الشّيخ بشير وقرّرت إبقاءه في العراق، وأنّ المطلوب منه أن يوقّع على ورقته، سأل الصّدر المحافظ: هل ما تقوله أمر أم اقتراح؟ فأجابه المحافظ بأنّه اقتراح، لا أمر؛ فاعتذر الصّدر عن تلبية طلبه.
وبعد ذلك قرّر الشّهيد محمّد الصّدر ما نصّه: "مكالمة المحافظ معي أنتجت نتيجة جيّدة؛ لأنّني قلت بعد ذلك بصراحة ووضوح: إنّه إذا بقي فالحقّ معي، وإذا سافر فالحقّ معه، إذن أنا ظالم. وبقي، إذن فالحقّ معي، وهو من هذه النّاحية تبع للفلانيّين والفلانيّين، ليس أكثر من ذلك. إذن فأنا ـ إن شاء الله ـ لم أخالف تكليفي الشّرعيّ من هذه النّاحية إطلاقاً!!".
وفي الحقيقة، فإنّ هذا الاستنتاج خاطئ تماماً؛ إذ لا ملازمة بين قرار الدّولة العراقيّة منح الشّيخ بشير الإقامة، وبين حقّانيّة ما احتمله الشّهيد محمّد الصّدر ورجّحه في حقّه؛ فبقاء الشّيخ بشير في العراق لا يثبت صحّة الاتّهامات أو الاحتمالات الّتي بُني عليها الامتناع عن توقيع إقامته، كما أنّ سفره ـ لو وقع ـ لم يكن ليثبت بطلانها أو حقّانيّته.
فقرار الدّولة في تجديد الإقامة لأجنبي قضى عشرات السّنين في البلد شيء، وصحّة الدّعوى والاتّهامات المفترضة له شيء آخر، ولا لزوم ولا ملازمة بينهما؛ وعليه، فإنّ المقدّمات الّتي طرحها الشّهيد محمّد الصّدر لا تنتج النّتيجة الّتي أراد إثباتها أو كان جازماً بها نفسيّاً بالضّرورة، فتدبّر وافهم، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.