أكثر ما يستفزّني تعليقات بعض الحمقى والمنافقين الّذين أراهم منزعجين من نشري بيانات الشّهيد محمّد الصّدر وتصريحاته في بيان أسباب خلافاته مع بعض المراجع، وتفسيقه بعضهم، ونفيه اجتهاد بعضهم الآخر؛ إذ يردّدون في وجهي هراء: "الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها، وكأنّني أنا من فسّقت هذا وأبطلت عدالة ذاك!!
وهؤلاء لا يريدون أن يفهموا أنّ غرضي من نشر هذه الحقائق الموثّقة ليس الانتصار لطرف دون آخر، ولا إيقاظ فتنة، ولا التّحريض على أحد؛ بل أريد أن أوضّح بما لا لبس فيه: أنّ هذه الصّراعات وأضرابها ـ مهما كانت طبيعة أطرافها، ومهما ارتدت من أثواب دينيّة ومذهبيّة ـ تبقى صراعات بشريّة بامتياز، تحكمها المصالح، والزّعامات، والنّفوذ، والحسابات الأرضيّة.
كما أريد أن أبيّن أنّ ما نشاهده اليوم من إخفاء للحقائق، ومساعٍ حثيثة من بعض من يصفون أنفسهم بالتديّن لطمطمة تلك المرحلة، هو نفسه ما وقع في تدوين التّاريخ؛ إذ طُمطمت صراعات الأسر القرشيّة والعلويّة فيما بينها، وأُعيدت صياغتها لاحقاً بما ينسجم مع مقتضيات القداسة والمذهب، مع أنّها كانت ـ في جوهرها ـ صراعات بشريّة خالصة، تحكمها السّلطة والنّفوذ والامتيازات.
ومن هنا ينبغي أن نجعل هذه الشّواهد الحيّة والمعاصرة نافذةً لفهم الماضي، لا مادّةً لإعادة إنتاج الخصومات؛ فهي تكشف أنّنا كنّا ولا نزال ضحايا لعبة كبير اسمها الدّين والمذهب، وأنّ واجبنا هو أن نفتح أعيننا جيّداً، وألّا نحوّل الصّراعات البشريّة ـ مهما كانت دوافعها وشعاراتها ـ إلى صراعات سماويّة، وغيبيّة، وماورائيّة، ثمّ ندفع الغالي والنّفيس في سبيلها.
وعليه: فليس من إيقاظ الفتنة أن تُكشف الحقائق، وإنّما الفتنة الحقيقيّة أن تُخفى الوقائع، ويُعاد إنتاج القداسة، ثمّ يُدفع البسطاء مرّةً أخرى إلى ساحات الصّراع وهم يظنّون أنّهم يدافعون عن السّماء، مع أنّهم لا يعدون أن يكونوا وقوداً لمعارك الأرض، فليُتفطّن قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.