لا يخفى عليك: أنّ مجرّد توفّر الإمكان العقليّ لحصول الشّيء لا يعني توفّر الدّليل على وقوعه وتحقّقه خارجاً؛ فالإمكان أعمّ من الوقوع كما يقولون، وبالتّالي: فالعقل قد لا يجد مانعاً من طيران الإنسان على حـمار مجنّح من مكّة وحتّى كربلاء، ولكنّ حينما يأتي شخص ويدّعي تحقّق هذا الأمر له فلا يكفي للتّصديق به مجرّد الإمكان العقليّ الفرضّي لهذا الطّيران، بل عليه أن يقدّم دليلاً عمليّاً يتناسب مع حجم مدّعاه وضخامته، وإذا آمن بعض النّاس بمدّعاه وصدّقوا به لمجرّد ثقتهم به فقد خالفوا حاقّ عقولهم بكلّ تأكيد، ويحسن عقابهم على ذلك أيضاً لو انعكست آثار إيمانهم المتقدّم على الآخرين بنحو ما، كالذبـ.ح والسّبي والاغتنام...إلخ.

نعم؛ لو كان هذا الشّخص المدّعي لمثل هذا الطّيران قد ثبتت حجيّة كلامه الشّرعيّة بدليل معتبر في رتبة سابقة، بمعنى أنّه أقدم على إثبات قدرته السّماويّة على التصرّف الخارق للعادة بدليل يتناسب معها، فربّما يكون صرف كلامه كافياً لإثبات مدّعياته من هذا القبيل فضلاً عن غيرها.

في ضوء البيان أعلاه يظهر لك: أنّ المؤمنين بنبوّة رسول الإسلام في مكّة لم يكن إيمانهم نابعاً من تقديمه دليلاً معجزاً يتناسب مع سماويّتها لكي يكون مجرّد إخباره عن تحقّق الإسراء والمعراج له على ذلك الحيوان الأصغر من البـ.غل والأكبر من الحـ.مار كافياً للتّصديق به، بل كانت نبوّته المدّعاة ـ وفق ما نقرأه من الآيات والرّوايات ـ لا تتجاوز مطالب توحيديّة عامّة تناهض عبادة الأصنام، ولهذا ارتدّ جملة منهم عن الإيمان بنبوّته بمجرّد سماعهم منه ما يخالف العادة في تلك الأزمان، وإيمان الباقين به استمرّ لأسباب عاطفيّة وإخوانيّة وليس لثبوت نبوّة الرّسول لهم عن طريق المعجز، فتدبّر وافهم لكي لا تُكرّر المكرّرات، والله من وراء القصد.