جاء في الصّحيح عن الإمام الباقر قوله: إنّ الله إذا أراد أن يخلق النّطفة ويجعلها في الرّحم، حرّك الرّجل للجماع، وأوحى إلى الرّحم: أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النّافذ وقدري، فتفتح الرّحم بابها، فتصل النّطفة إلى الرحم‌، فتردّد فيه أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة، ثمّ يبعث الله ملكين خلّاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله، فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة‌، فيصلان إلى الرّحم‌، وفيها الرّوح القديمة المنقولة في أصلاب الرّجال وأرحام النّساء‌، فينفخان فيها روح الحياة والبقاء...إلخ!!

أقول: من الواضح أنّ أيّ طالب في المرحلة الابتدائيّة اليوم يبتسم حينما يقرأ هذا التّفسير لطريقة خلق الإنسان وتكوينه، ويراه انعكاساً مباشراً للتّصوّرات الطّبيّة والشّعبيّة السّائدة في تلك المرحلة التّأريخيّة، لا كشفاً غيبيّاً صادراً عن جهة لها إحاطة تامّة بأسرار الجسد الإنسانيّ وتفاصيله.

وهو شاهد صارخ وواضح لمن ألقى السّمع وهو شهيد: على أنّ مراحل تكوين الجنين الّتي طرحها الرّسول في أصواته القرآنيّة، وتابعته في شرحها وتفصيلها الرّوايات المنقولة عن صحابته وأهل بيته، ليست سوى ابنة بيئتها ومعارفها المحدودة، وقد صاغت فهمها للإنسان والحياة بلغة عصرها وأدواته.

ولهذا كلّما تقدّم العلم، واتّسعت معارف البشر في علم الأجنّة والتّشريح والوراثة، ازدادت الحاجة إلى التّرقّعات والتّأويلات الّتي تحاول إنقاذ هذه النّصوص من ظاهرها الواضح، مع أنّ ظاهرها نفسه كافٍ في الكشف عن بشريّة مصدرها، وكونها بنت محيطها وجغرافيّتها وثقافتها.

فتفطّنوا يا أولي الألباب، ولا تدسّوا رؤوسكم في التّراب كالنّعامة بحثاً عن ترقيع جديد كلّما تقدّم العلم خطوة إلى الأمام، والله من وراء القصد.