الإمام عليّ ـ كما في الصّحيح ـ يُحرق جماعة وهم أحياء بسبب تركهم الإسلام في مشهد يقشعرّ له كلّ إنسان يمتلك شيئاً من الضّمير، وابن عبّاس يعترض ويقول: الرّسول منع من التّعذيب بالنّار، وأمر بقتلهم فقط!!
أقول: لا شكّ في أنّ عليّ بن أبي طالب يعرف ذوق الرّسول في هذه المواطن، وعاش معه لسنوات عديدة مشاركاً في حروبه وغزواته، وكان "ماشة ناره" الأولى إذا جاز هذا التّعبير؛ فإحراق هؤلاء ينبغي أن يكون متماشياً مع رغبات الرّسول وقناعاته وسلوكيّاته، وابن عبّاس نقل حادثة خاصّة لا يُمكن تعميمها، ولا يُقدّم رأيه ـ وهو من صغار الصّحابة ـ على كبير الصّحابة في هذا المجال.
وبالتّالي: فنحن لسنا أمام تصرّف فرديّ طارئ أو انحراف شخصيّ لعليّ، وإنّما أمام سلوك منسجم مع ثقافة دينيّة سلطويّة ترى في القهر والإبادة وسيلةً لحفظ العقيدة قبل أن ترى في العقل والحجّة طريقاً لها.
ولكن: لماذا لم يبادر الإمام عليّ إلى توظيف العلم والمعرفة لإقناعهم بحقّانيّة الإسلام، ويعطيهم فرصة طويلة للتّفكير والتّأمّل بالأدلّة القاطعة لسماويّة الإسلام وماورائيّته، ولماذا اقتصر فقط على استتابتهم الّلفظيّة، وحينما رفضوا حرقهم؟!
قليل من التّأمّل البسيط يوصلك إلى حقيقة مرّة على ذوي العقول الملقّنة وهي: إنّ هذه الدّمويّة المعقّدة سببها البيئة والظّروف والتّربية والمحيط، وأنّ أصحابها كائنات بشريّة تأريخيّة لا يُمكن بحالٍ من الأحوال أن يتملّكوا إطلاقيّة المُطلق، والوعيّ والنّضج الأخلاقيّ المعاصر الّذي لدى نوع البشريّة اليوم، أكبر من تلك المرحلة ومن شخوصها بمرّات ومرّات ومرّات، فتأمّل قليلاً، تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.