من حقّنا أن نسأل المضحوك عليهم ممّن يرفعون شعار الإصلاح الحسينيّ، ويُصرّون على أنّ الإمام الحسين لم يكن طامحاً للسّلطة أصلاً، وإنّما خرج لطلب للإصلاح في أمّة جدّه، وإن كنّا نؤمن بأنّ أصل هذه الرّواية مكذوبة عليه جزماً كما حقّقنا ذلك في بحوث سابقة:

هل كانت أمّة جدّه لا تقوم على السّلب والنّهب الشّرعيّ، لكي يكون إصلاحها بإلغاء هذا المنهج؟!

الجواب: كلّا وألف كلّا؛ فقد كانت أمّة جدّه قائمة على هذا الأساس نفسه، بل الإمام الحسين نفسه خرج من مكّة متوجّهاً إلى العراق وبادر لسلب قافلة واستولى على جميع ما فيها كما هو المتّفق عليه بين عموم أصحاب المقاتل!!

وهل كان الإمام الحسين يدعو إلى تحرير العبيد، وترك استرقاق الجواري ونكحهنّ، وإلغاء مشاريع الاستعباد الإسلاميّة الّتي ما توسّع وانتشر دين جدّه وأبيه لولاها؟!

الجواب: كلّا وألف كلّا أيضاً؛ لأنّ أباه عليّاً نفسه اشترى واسترقّ ما يقرب من عشرين جارية، وخصّصهنّ لمتعه الجسديّة، كما في الصّحيح عند الفريقين، وهو نفسه اعتاش ونكح عن طريقها.

وهل كان الإمام الحسين يدعو إلى ترك الغزو ونشر الإسلام بالحوار ووسائل الإقناع العلميّ بدل السّيف، أو كانت لديه طريقة مختلفة في توزيع الغنائم والإتاوات تُخالف ما جاء في أصوات جدّه القرآنيّة وغيرها، وسيرة الخلفاء بما فيهم أبيه؟!

الجواب: كلّا وألف كلّا؛ فهو نفسه شارك في بعض الحروب في سبيل ذلك، بل إنّ دعاة الإصلاح الحسينيّ المعاصرين أنفسهم ما زالوا إلى اليوم يملأون رسائلهم العمليّة بأحكام الجهاد، وضرورة نشر الإسلام بالقوّة في مواردها المقرّرة عندهم، والتّقسيم هو التّقسيم لا غير!!

إذن، ما هي حقيقة الإصلاح الحسينيّ؟!

بوضوح تامّ نقول: خرج الإمام الحسين من أجل استلام الخلافة، وكان يرى نفسه أولى بها من يزيد الّذي يصغره بما ينيف على العشرين عاماً، كما كان أبوه يراها حقّاً له ودعا النّاس لمبايعته، وكان يريد إدارة الدّولة ونشر الإسلام بالطّريقة الّتي يعتقد بصوابها، والاستفادة من موارد السّلطة بطبيعة الحال؛ فيولّي أولاده وأبناء عمومته وأهل بيته كما ولّى أبوه أقاربه في الأمصار، وهذا هو منطق السّلطة في تلك المرحلة؛ فالأقربون ـ لا سيّما بنو هاشم ـ أولى بالمعروف بطبيعة الحال.

نعم؛ لقد نصحه عقلاء من أصحابه بترك هذا المشروع وهو لا يمتلك أدواته الّلازمة في مواجهة سلطة وقمع يزيد، لكنّه كان يعتقد بإمكان تحقيقه كما كان أبوه يرى ذلك، فلمّا تبيّن له أنّ الأمور لا تسير كما أراد، حاول مراراً أن يجد مخرجاً، وتوسّل كثيراً بأعدائه لإطلاق سراحه، لكنّ خصومه رفضوا، وخيّروه بين القتال أو الاستسلام، فاختار القتال، فحصل ما حصل، وانتهت الأمور بمأساويّة متوقّعة ومعروفة. فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.