يحسب بعض البسطاء والحمقى أنّني حينما أُرجع أحداث واقعة كربلاء المأساويّة إلى جذورها البشريّة المرتبطة بالمال، والفروج، والنّفوذ، فإنّني أهدف إلى الدّفاع عن معاوية ونجله يزيد وتلميع صورتيهما!!
وهذا الحسبان "غماميّة" مذهبيّة واضحة؛ وذلك لأنّ معاوية بن أبي سفيان رجل واضح كما هو أبوه؛ فقد اكتشف منذ البداية أنّ الموضوع كلّه ملك وسيطرة ونفوذ، ولهذا لم يُسلم إلّا بمعنى الاستسلام، والرّسول نفسه كان يعلم بذلك، ومع هذا أغدق على أبيه الأموال، ونكح ابنته أيضاً، وترك لطّامة الموكب والعناصر الزّحافة تمارس دورها.
ولهذا لا نجد مزيد مؤونة في تحليل شخصيّة معاوية؛ فهو لم يكن ينطلق من رؤية دينيّة أصلاً، وإنّما من رؤية واقعيّة للملك والسّلطة، وقد مارس السّياسة على هذا الأساس أيضاً، فورّث ابنه الخلافة وطلب مبايعته، دون أن يمرّر إمامة صبيّ في السّابعة من عمره بدعوى التّنصيص الإلهيّ!!
وإنّما ينصبّ اهتمامنا على الرّموز الّتي يُفترض ـ بحسب أتباعها ـ أنّها تتحرّك بوحي السّماء، وأنّ جميع سكناتها وحركاتها مؤيّدة بالعناية الإلهيّة. وحينما نجد هذه الرّموز نفسها تتهارش على الزّعامة، والقيادة، والمال، والنّفوذ، والفروج، فمن الطّبيعي أن نُعيد قراءتها بوصفها شخصيّات تأريخيّة، لا بوصفها مشاريع إلهيّة.
وبالمناسبة: لولا حكمة معاوية، وحنكته، ودبلوماسيّة الاحتواء العالية الّتي مارسها مراراً، لكانت واقعة كربلاء قد حدثت بتأريخ مبكّر؛ لأنّ الاستفزازات الّتي تعرّض لها لا يتحمّلها كثير من الملوك، ولهذا كان يحذّر الإمام الحسين من اليوم الّذي يكون فيه طرفه المقابل "حامض بول"، وحينها لن يمرّر له ما كان هو يمرّره.
وهذا بنفسه يؤكّد أنّ معاوية كان يتعامل مع الواقع بوصفه صراعاً على الملك، بينما لا يزال كثيرون يصرّون على قراءته بعيون غيبيّة، ويأبون الاعتراف بأنّ كربلاء كانت امتداداً طبيعيّاً لصراع بشريّ طويل، لا مشهداً مسرحيّاً كُتبت أدواره في السّماء قبل وقوعه، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.