لك أن تتخيّل سيّدي الموالي، وأنتِ سيّدتي آنستي الموالية: أنّ ترنيمة: "مثلي لا يُبايع مثله" وانتسابها إلى الإمام الحسين لم ترد لا في كتب الكليني، ولا الصّدوق، ولا المفيد، ولا الطّوسي، ولا في كتب أمثالهم ممّن له اعتبار وقيمة عند الطّائفة، كما لم ترد لا في تاريخ الطّبري، ولا الأخبار الطّوال، ولا مقاتل الطّالبيّين، ولا أنساب الأشراف، ولا حتّى في تاريخ اليعقوبي، ومروج الذّهب، والإمامة والسّياسة... إلخ، وإنّما جاءت هذه الإضافة المعلومة الدّسّ والوضع في النّسخ الواصلة من كتاب الفتوح، ثمّ انتقلت بعدها إلى كتب المقاتل الّلاحقة، والجميع كما ترى.

وذلك؛ لأنّ السّياق الّذي رويت فيه هذه التّرنيمة إنّما حصل في مجلس والي المدينة الوليد بن عتبة، حينما استدعى الإمام الحسين ليلاً لبيعة يزيد، وأخبره بموت معاوية، فاسترجع الحسين وأجابه بما نصّت عليه المصادر المعتبرة: "إنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً"، وأنّه إذا دعا النّاس في اليوم التّالي إلى البيعة فسيكون معهم، وبهذه الحيلة تخلّص الإمام من البيعة في تلك اللّيلة، وخرج من مجلس الوالي.

لكنّ صاحب الفتوح ـ ومن بعده الخوارزمي، ثمّ ابن طاووس في اللّهوف ـ أضاف كلمات حصلت إثر مشاحنةً جرت بين مروان بن الحكم والإمام الحسين عند خروجه؛ حيث حثّ مروان الوالي على اعتقال الإمام حتّى الصّباح وإذا امتنع فليضرب عنقه؛ لأنّه إن خرج فلن يعود، فغضب الإمام وقال له: يا ابن الزّرقاء ـ وكان كثيراً ما يُعيّر الإمامُ مروانَ بشرف أمّه ـ: أ تأمر بضرب عنقي؟! ثمّ أقبل على الوليد بن عتبة قائلاً ـ حسب هذا النّقل ـ: أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرّسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرّحمة، وبنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النّفس المحرّمة، معلن الفسق، مثلي لا يُبايع مثله!!

ومن الواضح: أنّ هذه الإضافة المذهبيّة تصرخ بأعلى صوتها بأنّها بنت مرحلةٍ متأخّرة، ومع الزّيارة الجامعة الكبيرة وأجوائها، ولا علاقة لها بتلك اللّحظة التّأريخيّة لا من قريب ولا من بعيد، مضافاً إلى كونها تتناقض مع صدر الرّواية نفسها؛ إذ إنّ الإمام الحسين تخلّص من البيعة في لحظتها بذريعة معقولة، وهي أنّ البيعة لا تكون سرّاً، وإنّما علناً مع حضور النّاس، فوافقه الوالي على ذلك وأطلق سراحه.

أمّا إذا كان الإمام قد صرّح في المجلس نفسه بأنّ يزيد فاسق، وأنّ مثله لا يُبايع مثله، فقد أيّد بذلك كلام مروان، وأثبت للوليد أنّ طلبه تأجيل البيعة إلى الغد لم يكن إلّا حيلةً للتملّص، وكان مقتضى ذلك أن يُبادر الوالي إلى اعتقاله، لا أن يسمح له بالخروج، وهذا يكشف بوضوح أنّ هذه الإضافة لا تنسجم مع السّياق أصلاً، فضلاً عن خلوّ المصادر المعتبرة منها.

بل لو سلّمنا جدلاً ـ ولا نسلّم ـ بأنّ الإمام الحسين قال هذه العبارة، فإنّها لا تدلّ على أنّه بقي مصرّاً عليها؛ إذ الثّابت، وما عليه جمهور المحدّثين كما نصّ أبو مخنف نفسه، أنّ الإمام في اللّحظات الأخيرة، وقبيل اندلاع الحرب، تمنّى على مقاتليه أن يسمحوا له بالذّهاب إلى ابن عمّه يزيد؛ ليضع يده بيده، بل كان قد تياسر قبل ذلك قاصداً الشّام حينما حاصره جيش الحرّ، الأمر الّذي يؤكّد أنّ هذه التّرنيمة ـ حتّى لو صحّت ـ لا يمكن أن تُتّخذ أساساً لفهم حركة الإمام الحسين وأهدافه، إلّا بعد ضمّ كبرى الإمامة والعصمة الفاسدتين إليها، وهو كما ترى، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.