يحسب بعض السُّذّج والبسطاء ـ والحمقى أيضاً ـ أنّ الصّراع بين الأسر المتنفّذة في الوسط الشّيعي ـ آل الحكيم وآل الصّدر نموذجاً ـ هو صراع مبادئ سماويّة عليا، وصراع قيم وأخلاق متعالية، وصراع جبهة الحقّ مع جبهات الباطل!!
وهذا الحسبان لا أصل له؛ لأنّ هذه الصّراعات في حقيقتها وجوهرها بشريّة خالصة، وليست إلّا صراعات من أجل الزّعامة والنّفوذ والامتيازات والحضور الاجتماعيّ… إلخ، وإن تلبّست بلباس المبادئ والدّين والمذهب.
وهي صراعات تشبه في جوهرها ما دار بين بني هاشم وبني عبد شمس، ثمّ انتقل لاحقاً بين بني أميّة وآل أبي طالب، وبين آل الحسن وآل الحسين… إلخ؛ فالأسماء تتغيّر، لكنّ طبيعة الصّراع البشريّ تبقى واحدة، مهما حاول اللّاحقون إلباسها ثوب القداسة والتّعالي.
لكنّ خيبتنا تكمن في أن يكون وقود هذه الصّراعات وضحاياها هم لطّامة المواكب وعامّة الموالين، ممّن يُصطلح عليهم في الأروقة الخاصّة لهذه الأسر بـ "الشروگيّة والمعدان"، بينما يبقى المتنفّذون ـ ومعهم جمع من المتملّقين والمنتفعين والمتزلّفين ـ يتنازعون على مواقع النّفوذ وقيادة الجمهور.
وهذا التّنظير لا ينطلق من فكرة بشريّة الأديان فقط، بل هو واقع معاش وملموس يشعر به كلّ محايد؛ بل حتّى لو سلّمنا جدلاً بسماويّة أصل الدّين، فإنّ هذه السّماويّة لا تبقى على حالها بمجرّد أن تتلبّس بلباس الأرض؛ إذ تخضع حينئذٍ لقوانين الاجتماع البشريّ، وتتمظهر بصراعاته ونزاعاته ومصالحه وحساباته.
نعم؛ قد تكون بعض هذه الأسر أقرب إلى الشّارع، أو أكثر شعبيّة، أو أوسع قبولاً من غيرها، لكنّ ذلك لا يجعل صراعها مع الأسر المتنفّذة الأخرى صراعاً ماورائيّاً متعالياً، وإنّما يبقى صراعاً بشريّاً تحكمه موازين الأرض، لا قوانين السّماء، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.