لم يكن الصّراع على الفروج بين يزيد والإمام الحسين مقتصراً على حادثة أمّ إسحاق الّتي ورثت جمالها الأخّاذ من أمّها، وإنّما نصّت كلماتهم على حادثة أخرى تكشف بوضوح تامّ عن حسّاسيّات مفرطة جدّاً بين الطّرفين، وتتداخل الأمور فيها بشدّة، ولا يمكن للباحث الجادّ تجاوز أمثالها وهو يروم اكتشاف السّرّ الكامن وراء الاحتقان الشّديد بين الإمام الحسين ويزيد بن معاوية، والّذي حذّر معاويةُ الإمام َمن مغبّته المستقبليّة مراراً ولات حين مناصّ!!
إذ روي أنّ معاوية بن أبي سفيان خطب أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لابنه يزيد، فاستشار عبد الله بن جعفر خالها الإمام الحسين في ذلك، فرفض الأخير معلّلاً: أتزوّجه وسيوفهم تقطر من دمائنا؟! ثمّ قال له: ضمّها إلى ابن أخيك القاسم بن محمّد بن جعفر، ولك منّي بستان البغيبغة؛ لتقضي به دينك، وهو من أوقاف أبيه عليّ الّذي توفّر له من أموال السّلب والنّهب.
ويزداد الموقف إثارة حينما نطالع الاستفزاز المتعمّد الّذي مارسه الإمام الحسين لمعسكر معاوية؛ حيث طلب الأخير من واليه في المدينة مروان بن الحكم أن يتولّى تزويج يزيد بأمّ كلثوم، وأن يقضي دين أبيها عبد الله بن جعفر، ويصله بالأموال أيضاً. لكنّ الإمام الحسين فاجأ الجميع في مجلس الخطبة نفسه، وبعد أن فوّض عبد الله أمر ابنته إليه، فعقد نكاحها للقاسم بن محمّد بن جعفر، الأمر الّذي أثار مروان كثيراً، واصفاً العمليّة كلّها بالغدر، مخاطباً ابن جعفر: أو ليست صلات أمير المؤمنين معاوية وأنعامه بين يديك، فكيف تفعل ذلك؟! فقال له: قد أخبرتك أنّي لا أقطع أمراً فيها دون خالها.
وفي الأثناء كشف الإمام الحسين بنفسه عن الدّافع الّذي حمله على هذا التّصرّف، فذكّر مروان بحادثة مشابهة تتحكّم فيها الفروج أيضاً؛ حيث خطب شقيقه الحسن عائشة بنت عثمان، ووُلّي مروان أمرها، ثمّ أقدم في المجلس نفسه على تزويجها من عبد الله بن الزّبير، فكانت واحدة بواحدة!!
وبعد هذه الحادثة وفد عبد الله بن جعفر إلى الشّام، وعرض بستان البغيبغة للبيع، فاشتراه معاوية بمليون درهم، وكتب إلى مروان بحيازته، فلمّا أراد قبضه وجد الإمام الحسين واقفاً على بوّابته، وقد أوتر قوسه،قائلاً: والله لا يدخله أحد إلّا وضعت فيه سهماً، فكتب مروان إلى معاوية بالحادثة، فتعامل الأخير بطريقته الدّبلوماسيّة الاحتوائيّة المعروفة، وأمره أن يعرض عن البستان ويترك الأموال لابن جعفر!!
نعم؛ لا يمكن لعاقل أن يتجاوز هذه الحسّاسيّات الشّديدة بين الأطراف، ثمّ يفترض أنّ كربلاء كانت مشهداً إلهيّاً مرسوماً سلفاً، وأنّ الإمام الحسين كان يعلم جميع تفاصيل مصيره، ثمّ مارس دور الممثّل أمام أهله وأولاده ونسائه وأصحابه؛ فهذا استخفاف بالعقول وضحك على الذّقون لا غير، نعم؛ لجأ إليه الّلاحقون لتخفيف وطأة شناعة الموقف وتفاصيله.
وإيّاك أن تضحك على نفسك وعقلك ـ إن بقي لك عقل ـ فتزعم أنّ هذه الأخبار منحولات وموضوعات وُضعت لتشويه سمعة الإمام؛ فمضافاً إلى مشهوريّتها، فهي منسجمة تمام الانسجام مع حركاتهم وسكناتهم وسلوكيّاتهم، ومع طبيعة الصّراع البشريّ الّذي عاشوه، لا سيّما بعد أن نكحوا الأخضر واليابس، فتفطّن إن كنت من أهله، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.