عدّ المرحوم محمّد الصّدر المستشهد سنة: "1419هـ" جملة من الأهداف والمقاصد العامّة للمهدي المنتظر في عصر ما يُصطلح عليه بـ: "الغيبة الكبرى"، وكان سابعها ما نصّ عليه بالقول: «شفاؤه لأمراض مزمنة بعد أن عجز عنها الأطباء، وأخذت من صاحبها مأخذها العظيم»، وحينما أراد أن يُبرهن على هذا الهدف النّبيل أفاد قائلاً:
مثاله: ما روي عن السّيد باقي بن عطوة العلوي الحسني: أنّ أباه عطوة كان لا يعترف بوجود الإمام المهدي "ع"، ويقول: إذا جاء الإمام وأبرأني من هذا المرض أصدّق قولكم، ويكرّر هذا القول. فبينما نحن مجتمعون في وقت العشاء الأخيرة صاح أبونا فأتيناه سراعاً. فقال: الحقوا الإمام، في هذه السّاعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحداً. فجئنا إليه، وقال: أنه دخل إليّ شخص، وقال: يا عطوة! فقلت: لبيك، من أنت؟ قال: أنا المهدي قد جئت إليك أن أشفي مرضك. ثم مد يده المباركة وعصر وركي [!!] وراح. فصار مثل الغزال. قال علي بن عيسى [الإربلي]: سألت عن هذه القصة غير ابنه فأقر بها». وبعد أن أكمل الصّدر نقل الحكاية محرّفاً في ألفاظها وحقيقتها انسياقاً مع تلطيفات غيره نصّ في التّعقيب عليها قائلاً: «فانظر إلى المهدي "ع" كيف يقرن شفاءه للمرضى بإقامة الحجّة على وجوده وإمامته؛ بحيث لم يبق لمنكرها أيّ شكّ أو جدال [!!!]» (1).
وقبل التّعليق على هذه الحكاية يحسن بي الذّهاب إلى مصدرها الأصلي للاطّلاع على طبيعة المرض الّذي كان يعاني منه عطوة، وكيف تمكّن المهدي من علاجه، وبهذا نكتشف كيف وقع المرحوم محمّد الصّدر ضحيّة البتر والتّلطيف المتعمّد الّذي مارسه بعض نقلة الحكاية والّذي قد لا نبرّي الصّدر منه أيضاً؛ لأنّه أحال في الهامش إلى المصدر الأصلي أيضاً والّذي يُفترض به عودته إليه لاكتشاف الحقيقة، لكنّ ذلك قد يكون ناشئاً من تقدّسه ودماثة خلقه وحيائه كما سيتّضح، من دون أن تنعكس هذه المحاسن إلى منبّهات جادّة للتّشكيك بأصل الحكاية ولا نقول الفكرة، حيث قال صاحب كشف الغمّة عليّ بن عيسى الإربلي المتوفّى سنة: "692هـ":
وحكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسيني: أنّ أباه عطوة كان به أدرة [دوالي في الخصية]، وكان زيديّ المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإماميّة، ويقول: لا أصدّقكم ولا أقول بمذهبكم حتّى يجيء صاحبكم ـ يعني المهدي ـ فيبرئني من هذا المرض، وتكرّر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعاً، فقال: الحقوا صاحبكم؛ فالساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحداً فعدنا إليه وسألناه، فقال: إنّه دخل إليّ شخص وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صاحب بنيك، قد جئت لأبرئك مما بك، ثمّ مدّ يده فعصر قروتي [أي: دوالي خصيتي] ومشى، ومددت يدي فلم أر لها أثراً. قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبة. واشتهرت هذه القصّة [أي قصّة شفاء دوالي خصية عطوة]، وسألت عنها غير ابنه فأخبر عنها فأقر بها» (2).
وبعد أن عرفت البتر والتّلطيف والتّدليس الّذي مارسه بعض نقلة القصّة ـ كصاحب ينابيع المودّة ـ ولو على مستوى إخفاء طبيعة المرض وتبديل مفردة الخصية بالورك حيث استهجن أن يمدّ المهديّ يده إلى الخصية والّذي اضطرّ المرحوم الصّدرلاعتماده أيضاً، أقول بعد أن عرفت ذلك يحقّ لك أن تتساءل:
هل يُمكن أن نُقنع العالم بجدوائيّة غيبة المهدي منذ ما يقرب من ألف ومئتي سنة بعد ولادته المفترضة، وإنّ أحد أهداف غيبته هو استطاعته شفاء خصية شخص مجهول اسمه عطوة كان قد فهم أنّ من مدّ يديه لخصيته وعالجها هو المهدي المولود قبل قرون حسب الفرض؟!
لماذا لا يدخل المهدي على الخطّ ليعالج عشرات الأنواع من الأمراض المستعصية الّتي فتكت بالبشريّة وآخرها وباء كورونا المستفحل ليثبت بذلك وجوده وإمامته ويخرس الألسن ما دام قد أثبت وجوده وإمامته لعودة من خلال مدّ يده لخصيته وعصرها؟!
لا أريد أن أعلّق أكثر وأجرح مشاعر المحبّين، لكنّي أجد من الضّرورة بمكان أن أذكّر بما كتبه المرحوم محمّد باقر الصّدر المستشهد سنة: "1400هـ" من تقريظ لموسوعة ابن عمّه وتلميذه الّتي حملت هذا الّلون من الأخبار، حيث قال في وصفها: «موسوعة لم يسبق لها نظير في تاريخ التّصنيف الشّيعي حول المهدي "ع" في إحاطتها وشمولها لقضية الإمام المنتظر من كلّ جوانبها، وفيها من سعة الأفق وطول النّفس العلميّ واستيعاب الكثير من النّكات والّلفتات ما يعبّر عن الجهود الجليلة الّذي بذلها المؤلّف في انجاز هذه الموسوعة الفريدة، وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملأه هذه الموسوعة من فراغ، وما تعبّر عنه من فضلٍ ونباهةٍ وألمعيةٍ...» (3).
ولا شكّ لديّ ـ وينبغي أن أحسن الظّن هنا كثيراً ـ بأنّ صاحب هذه السّطور انطلق من طبيعة المجاملات الحوزويّة والمذهبيّة الّتي اعتادت على كتابة أمثال هذه الإطراءات والتّبجيلات المحفّزة من غير أن يكون لها حقيقة في الواقع ونفس الأمر، وإلّا فأيّ نكات ولفتات تحمل هذه الموسوعة والّتي سوّدت آلاف الصّفحات في إثبات أوصاف للشّيء ـ ولو عن طريق خصية عودة ـ دون أن تُجهد نفسها في كتابة سطر اجتهاديّ تحقيقيّ واحد لإثبات أصل وجوده وولادته!! فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.