أكثر إمام عرف اللّعبة من الأساس، وتمتّع في حياته حتّى الأخير، مالاً، وجنساً، ورفاهيّةً، هو الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب؛ حيث كان ـ كما قالوا ـ أشبه النّاس بجدّه خلقاً وخُلقاً.

ولهذا كان عارفاً تماماً بأنّ أهل العراق غير قابلين للاعتماد، لا في مثل هذه المواطن فحسب، بل في غيرها أيضاً. وقد نصح أباه مرّات ومرّات ألّا يخرج إليهم حتّى يأتوه مبايعين، لكنّه رفض الإصغاء إلى نصيحته، ووبّخه أيضاً.

وبعد مقتل أبيه كان أكثر واقعيّة وبرغماتيّة؛ إذ أدرك أنّ سياسة أبيه الصّداميّة والإقصائيّة لم تُخلّف له قاعدة جماهيريّة يمكن الرّكون إليها، ولهذا بايع معاوية، واتّفق معه على تخصيص خراج بعض المناطق له، ووصلته الهدايا والعطايا المستمرّة بملايين الدّراهم والدّنانير، فعاش حياته منعّماً أفضل تنعيم، ونكح الأخضر واليابس.

لكنّ "الغمّان" المأسورين بخرافة العصمة حسبوا أنّ هناك منهجاً حسنيّاً ومنهجاً حسينيّاً، ولم يقرأوا شيئاً من صحاح النّصوص ومعتبراتها؛ ليعرفوا أنّ الأمر لا علاقة له باختلاف المنهج، وإنّما باختلاف الآليّات والظّروف والقدرة على تحقيق الهدف؛ فالغاية عندهما واحدة، وإن اختلفت وسائل الوصول إليها، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.