للشّيخ علي بن محمّد رضا كاشف الغطاء، المتوفّى سنة: "1350هـ"، موسوعة مهمّة في الحديث عن تراجم رجال الشّيعة في مختلف طبقاتهم، حملت عنوان: "الحصون المنيعة في طبقات الشّيعة"، وأهمّ ما في هذه الموسوعة، وما يميّزها عن غيرها، هو ترجمتها لشخصيّات معاصرة لها بشكل تفصيليّ وفريد، واستنادها إلى مصادر لم ترَ النّور حينها، وفي مكتبات خاصّة وبلغات مختلفة، ولم يشذّ أحدٌ من معاصريه إلّا واستند إليها وأخذ من معينها حينما كانت مخطوطة في داره وعند ورثته، من محمّد السّماوي إلى علي الخاقاني إلى أغا بزرك الطّهراني إلى محسن الأمين وأضرابهم.
وقد أقدمت مؤخّراً مؤسّسة آل البيت التّابعة للحجّة جواد الشّهرستاني على تحقيق هذه الموسوعة، وإخراجها من حالة المسودّات المتناثرة الّتي حملتها أجزاؤها التّسعة، وقد صدر منها حتّى الآن خمسة عشر جزءاً محقّقاً، سعوا جاهدين فيها ـ حسب كلامهم ـ إلى وضع كلّ ترجمة في مكانها المناسب لها، وإبعادها عن حالتها غير الممنهجة.
لكنّ الغريب واللّافت، ونظراً للمعلومات الخطيرة الّتي دوّنها المؤلّف عن بعض معاصريه، أنّه على الرّغم من وجود فهرست كامل لهذه الموسوعة كان قد أنجزه نجل المؤلّف، محمّد الحسين كاشف الغطاء المتوفّى سنة "1373هـ"، وهو مطبوع أيضاً، وقد ظهر فيه وجود تراجم لشخصيّات معاصرة معروفة، فإنّ محقّقي مؤسّسة آل البيت نصّوا في مقدّمتهم التّحقيقيّة على عثورهم على نقص واضح في نسخة المسودّة الحصريّة الّتي اعتمدوا عليها؛ حيث لاحظوا أنّ قسماً كبيراً من الصّفحات منتزعة وغير موجودة أصلاً، والقاسم المشترك بين هذه الصّفحات المفقودة هو كونها لشخصيّات معاصرة!!
وهذا يؤكّد ـ والكلام لمحقّقي المؤسّسة ـ أنّ هناك أيادي مقصودة قد فعلت ذلك حتّى لا تشتهر بعض الأخبار والحكايات الّتي دوّنها الشّيخ؛ فقد سجّل كلّ صغيرة وكبيرة في حياة الشّخصيّات المعاصرة له الّتي ترجم لها، ومدى فضيلتها العلميّة، وموارد كسبها، وعلاقتها بمجتمعها وأرومتها، والمواقف الّتي انتهجتها إزاء أحداث عصرها!!
وكنت قد نشرت قبل ما يقرب من عشر سنوات تراجم لشخصيّات معاصرة، كنت قد استقيتها من مسودّة هذه الموسوعة اعتماداً على ما كتبه بعض الباحثين المعاصرين، وكنت أترقّب صدور النّسخة المحقّقة لملاحظة ذلك فيها، لكنّ الغريب فقدانها، وأحتمل جدّاً أن تكون عناصر هذه الأسرة الّتي جاء ذكرها في هذه التّراجم جزءاً من مشروع الانتزاع والحذف المتعمّد.
وبعد أن عرفت هذا النّموذج البسيط من الحذف والبتر والتّدليس المتعمّد في نقل الحقائق، عليك ألّا تستغرب حينما نفضح لك بعض الحقائق الّتي نطرحها حول تاريخ بعض الأسر المعاصرة وطبيعة تكوينها ومنشئها، ويجب أن يكون المهمّ لديك هو الدّليل، وأنّ الأصل الأصيل في أمثال ما يُشاع ويُروّج من صفاء الظّاهر والباطن هو التّزوير والأكاذيب، ومن يُريد الخروج عن هذا الأصل فهو المعنيّ بتقديم الدّليل. فتفطّن قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.