لم يكن اختيار الإمام الحسين لمسلم بن عقيل للمهمّة الثقيلة والجسيمة الّتي ألقاها على عاتقه اختياراً موفّقاً قطّ؛ وذلك لأنّ مثل هذه المهمّة تحتاج إلى إنسان يمتلك خبرةً اجتماعيّةً وسياسيّةً متراكمة، وشخصيّةً قويّةً ومتراصّة، وعارفةً بتعقيدات الكوفة وتذبذباتها وسرعة تقلّباتها، وله قدرة عالية على المناورة، وإتقان التّعامل مع رؤساء القبائل واحتوائهم، وتحويل الأعداد الّتي بايعته من عناصر ميّتة إلى قوّة فاعلة.
والمؤسف: أنّ الشّاب مسلم بن عقيل لم يكن مؤهّلاً لمثل هذه المهمّة أصلاً؛ لا من حيث التّعبئة الجماهيريّة، ولا من حيث إدارة الأزمة، ولا من حيث المواجهة الحاسمة عند المنعطفات الخطيرة، كما هي شخصيّة والده عقيل، خصوصاً وأنّ أفضال معاوية عليه واضحة جدّاً؛ حيث كان المسؤول عن دفع مبلغ أربعين ألف درهم لشراء جارية ثمينة لوالده عقيل، فأنجبه من خلالها.
ولهذا اكتشف بنفسه عدم قدرته على إنجاز هذه المهمّة في بداية الطّريق؛ إذ ضلّ الطّريق، ومات الدّليلان اللّذان كانا معه، فكتب إلى الإمام الحسين يطلب إعفاءه من المهمّة، لكنّ الإمام بدل أن يتفهّم ذلك، ويبعث شخصاً آخر أكثر كفاءة، وبّخه ووصفه بالجبان، فاستفزّه وألزمه بالاستمرار، مع أنّ هذه الحادثة كانت كافية لتنبيه الإمام إلى خطأ اختياره.
ولهذا أفسد مسلم خطّة شريك بن الأعور الرّامية إلى قتل عبيد الله بن زياد، متذرّعاً بذرائع لا معنى لها من شخص يُفترض معرفته بطبيعة المشروع الّذي خرج الإمام الحسين من أجله، ثمّ تبخّرت الآلاف الّتي بايعته في سويعات قليلة، وانتهى به الأمر هارباً في أزقّة الكوفة، متوسّلاً بامرأة أجنبيّة لتؤويه، وقابلاً الاختلاء بها طلباً للحماية، وهي مشاهد تكشف بوضوح عن افتقاره إلى المؤهّلات القياديّة الّتي كانت تتطلّبها المهمّة، وأنّه يُريد العافية.
ومن هنا يتحمّل الإمام الحسين مسؤوليّة هذا الاختيار دون شكّ وريب؛ لأنّ القائد هو الّذي يختار رجاله، ويتحمّل نتائج اختياراته. وهذا هو الّذي اضطرّه بعد ذلك إلى مسايرة بني عقيل في الاستمرار نحو الكوفة طلباً للثّأر، رغم رغبته الجامحة في الرّجوع واختيار طرق أكثر سلامة؛ لأنّه كان يعلم أنّ عودته بعد مقتل مسلم ستُفسَّر بأنّها تخلٍّ عن ابن عمّه بعد أن أرسله بنفسه، وهو أمر يزعزع صورته النمطيّة بين مقرّبيه وأصحابه، فتفطّن قليلاً تغنم كثيراً، ولا اعتقد ذلك، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.