قيل للشّهيد محمّد الصّدر: "كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الغشّ في الامتحانات الأكاديمية بحجة حلّيتها مما يؤدي إلى إفساد الدّراسات التّعليميّة في كافّة المراحل، وبالتّالي حصول ثغرة في مجالات التّعليم المهمّة للمجتمع؛ حيث إنّ بعض الأطباء لا يتقنون عملهم كأطباء بسبب عدم إحاطتهم بالعلوم الطّبية الموجودة في منهج دراستهم، وكذا أغلب مدرّسين مادّة الإسلاميّة الّذين يرثى لحالهم؛ حيث لا يجيدون القراءة، وغيرهم في مجالات أخرى، والسّبب الرّئيسي في ذلك هو الغشّ في الامتحانات بصورة غريبة ومؤلمة يؤدي بعضها إلى انتهاك الطالبات اللواتي يكتبن الغش على الملابس، فما هو رأي سماحتكم في ذلك كلّه؟!".
لكنّ الغريب واللّافت والمفزع أنّ سماحته، بدلاً من أن يفتي بضرس قاطع بحرمة ذلك، ولو من باب تحكيم العناوين الثّانويّة، أجاب بلغة أخلاقيّة باردة:
ننصح بتجنّب الغشّ إذا كان فيه ضرر على الفرد، أو على غيره، أو على المجتمع!!
بلى يا سادة؛ بعد كلّ هذه المآسي، وبعد أن حرّم على الأطبّاء المشاركة في دروس التّشريح والدّروس الّتي يلزم منها الاطّلاع على الأجهزة التّناسليّة في السّياق التّعليميّ الطّبيعي، وأوجب عليهم الاقتصار في أمثالها على حدّ النّجاح فقط، وبعد أن أجاز لهم الغشّ في الامتحانات، بل ودفع الأموال إلى الأساتذة من أجل إنجاحهم بمختلف الطّرق والوسائل، وبعد أن أوضح له المستفتي المأساة الحاصلة بسبب ذلك؛ نلاحظ أنّ سماحة السيّد اكتفى بتقديم النّصيحة فقط، محتفظاً بالحكم الأوّلي القاضي بجواز الغشّ، وأخذ الأجرة عليه، وعدم جواز معاقبة من يفعله... إلخ، من دون مساس!!
وبعد أن تجلّى لك هذا البيان، وبانت لك معالم الحقيقة، يتّضح لك أنّ ما تراه من كلمات ترقيعيّة هنا أو هناك، في سبيل صرف الفتوى الواضحة والصّريحة والمحكمة للشّهيد محمّد الصّدر في جواز الغشّ في امتحانات المدارس الأكاديميّة في مختلف الظّروف والأحوال، بدعوى أنّها فتوى ظرفيّة خاصّة لحظت حالات خاصّة؛ لهو بيان أفضل ما يمكن وصفه به بالخريط الّذي لا يصدر حتّى من الصّبيان المحصّلين!!
وذلك لأنّ حديثه عن عدم انبغاء الغشّ "في حالة الضّرر على الفرد أو الغير أو الجهاز التّعليميّ" إنّما جاء بلسان النّصيحة الأخلاقيّة والتّوصية غير الملزمة، لا بلسان الحكم الفقهيّ بالحرمة؛ ومن ثمّ فهو لا يمسّ حكمه الفقهيّ الأوّلي في جواز الغشّ الأكاديميّ بعرضه العريض، ولا يمثّل تراجعاً عنه أو تقييداً فقهيّاً له، فتدبّر ولاحظ.
على أنّ هذا الاستفتاء جاء بعد نحو سنة من الاستفتاء المفصّل الّذي قدّمه طالب الدّراسات المسائيّة في كلّيّة الآداب قسم اللّغة العربيّة، والّذي شرح فيه الآثار المدمّرة لظاهرة الغشّ في المدارس، والّتي كان المشايخ من أتباع الشّهيد محمّد الصّدر يروّجون لها؛ إذ أُرّخ هذا الاستفتاء في حدود الرّابع والعشرين من نيسان عام 1998م، الموافق للثّامن والعشرين من شهر ذي الحجّة لعام 1418هـ، وكان ذلك الاستفتاء في تاريخ الاثنين 19 أيّار 1997م، الموافق 12 محرّم 1418هـ.
وفي الحقيقة، إنّ التّدمير المفزع للجهاز التّعليميّ مسؤوليّة يتحمّل الشّهيد محمّد الصّدر جانباً مهمّاً منها؛ وإنّ الميكافيليّة الّتي كان ينطلق منها لم تكن تكترث بما يحصل من مآسٍ وآثار بقدر اكتراثها بتحقيق الغاية الآنيّة، وهي انتشار مرجعيّته وإحكام قبضتها على الحرث والنّسل، فتدبّر ولاحظ، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.